ريادة التفكير خارج الصندوق “ذكرى” ربيع زريقات نموذجا.

عبير هشام أبو طوق

ينطلق ربيع زريقات وأعضاء مبادرة “ذكرى” والمتطوعين فيها صباح كل يوم جمعة من عمان مروراً بالدوار الثامن وطريق المطار وصولاً بعد ساعتين ونصف من الزمن إلى منطقة غور المزرعة في محافظة الكرك والتي تبعد عن العاصمة عمان حوالي (170) كيلو متراً.

أطلق ربيع زريقات ابن التسعة وعشرين عاماً في عام 2007 مبادرة “ذكرى” للعمل التطوعي والتي تقوم على تقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين على أساس المنفعة التبادلية ما بين المتطوع والمستفيد، وقد خص ربيع منطقة غور المزرعة بهذه المبادرة، نظراً لكونها تتبع جغرافيا محافظة الكرك التي ينتمي إليها، وقد تم اختيار هذه المنطقة دون سواها لأنها تعتبر إحدى جيوب الفقر في المملكة، كما أن سكانها تعرضوا وفي فترات تاريخية سابقة لظلم واضطهاد أدى إلى تنازلهم عن أراضيهم لصالح أشخاص متنفذين كانوا يقيمون معهم في غور المزرعة.

قامت المبادرة في بداية انطلاقها بتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين بطريقة تقليدية، حيث وزعت عليهم الملابس والمواد الغذائية وغيرها، لكن ربيع ورغم أهمية ما قام به من عمل على الصعيد الاجتماعي، الاقتصادي والديني إلا أنه لم يكن مرتاحاً لهذه الطريقة التقليدية في مساعدة الآخرين؛ كونها تشعرهم بالحرج وتقدم لهم رسالة مفادها أن : “شخصاً غنياً تفضل علينا بقطعة ملابسٍ أو بلقمة طعام” على حد تعبيره.

ولذلك قرر زريقات أن يقدم المساعدات بطريقة إبداعية تراعي كرامة الفقير وتقدم له في الوقت ذاته المعونة التي يحتاجها، فجاءت مبادرة “ذكرى” على أساس تحقيق منفعة تبادلية ما بين المتطوع / المتبرع والمستفيد، بحيث يقوم المتطوع بدفع مبلغ (22.5) دينار للاشتراك في الرحلة، يخصص منها (22) دينار تقدم كقرضٍ لمساعدة أهل المنطقة، أما الديناران والنصف المتبقية فتذهب ثمن وجبة للمتطوع تكون عبارة عن “قلاية بندورة” من محصول غور المزرعة إلى جانب “خبز الشراك” الذي يتعلم المتطوعين طريقة إعداده من المستفيدين من المبادرة وهم أهالي غور المزرعة.

وفي كل رحلة  يتم جمع ما قيمته (400) دينار أسبوعياً – لأن هنالك أربع رحلات تنظم شهرياً إلى غور المزرعة – وتمنح المبادرة هذا المبلغ وتقدمه للمستفيدين على شكل قروضٍ ماديةٍ أو من خلال فتح مشاريع صغيرة للأسر تتمثل بشراء الأغنام لهم بهدف تربيتها لإيجاد مصدر دخلٍ ثابتٍ للأسرة.

وتركز المبادرة في تقديمها للمساعدات المادية والعينية على السيدات، وتحديداً ربات البيوت، فهن الأقدر بحسب ما يرى زريقات على تدبير أمور شؤون عائلاتهن، كما أنهن الأكثر حرصاً على الاستفادة من أي نوع مساعداتٍ يقدم لهن.

ولا يقتصر عمل “ذكرى” والمتطوعين فيها على تقديم المساعدات للفقراء من أهالي غور المزرعة بل تمتد إلى إقامة الكثير من الأنشطة الثقافية والفنية، ومنها على سبيل المثال إنتاج فيلمٍ شارك به أهالي المنطقة كممثلين إلى جانب عدد من الفنانين الأردنيين منهم نادية عودة، وحمل الفيلم اسم “يا هلا وود”، وتم إنتاجه بالتعاون مع تعاونية عمان للأفلام، وتناول طريقة حياة سكان غور المزرعة وأمنياتهم وتطلعاتهم لمستقبلٍ مشرق.

كما تشمل النشاطات الأخرى طرح مسابقاتٍ مثل الغناء والشعر؛ لتشجيع شباب وشابات المنطقة على كتابة الشعر باللهجة المحكية، إلى جانب قيام أهالي المنطقة بإخراج أفلامٍ عن منطقتهم ومحافظتهم ومثل هذه النشاطات الترفيهية والهادفة تنطلق من أن فلسفة مبادرة “ذكرى” مبنية على التبادل لا التبرع أو تقديم المساعدات التي تأتي من طرف واحد، فمثل هذه البرامج يُطلق عليها “التنمية من خلال الفن” إيماناً من المبادرة والقائمين عليها أن الثقافة والفن يلعبان دوراً أساسياً في نهضة وتطور المجتمع.

وعدا عن كل ما سبق يؤمن ربيع بأهمية العلم لكلا الجنسين، لكن أهمية ذلك تتفوق بالنسبة للإناث من وجهة نظره، وهذا ما دفع “ذكرى” لتأمين الأقساط الجامعية لإحدى الطالبات الجامعيات في المنطقة، فمن خلال تبرع المتطوعين تمكنت هذه الفتاة من مواصلة دراستها الجامعية في الجامعة الأردنية وهي الآن على وشك التخرج.

كما قامت المبادرة بطلاء بيوت سكان منطقة غور المزرعة بالألوان الزاهية التي تعكس جمال وطبيعة المنطقة الخلابة وبساطة أهلها وعفويتهم، فالبيوت القديمة المبنية من حجارة مهترئة لم يعد منظرها غير مقبولٍ كما كانت في السابق، فهي الآن ملونة تبعث على الفرح والتفاؤل، فهذا البيت أخضر، وذاك أصفر ويجاورهما الأحمر .. ليس هذا فحسب، بل رسمت العديد من المناظر الطبيعية على جدران البيوت فهنا نهر وهناك شجر وفي أعلاها عصفور يتناول طعامه وبعد أن ينتهي يعزف أجمل الألحان وأعذبها ليطرب بها سكان المنطقة وزوارها. ومن يذهب إلى غور المزرعة الآن وينظر إليها من بعيد سيجدها عبارة عن قرية ملونة كما قرية “السنافر”، ذلك البرنامج الكرتوني الذي كنا نشاهده ونحن صغار ونستمتع به وما زلنا.

هذه الخطوة وغيرها يهدف زريقات من ورائها إلى أن تصبح منطقة غور المزرعة مكاناً جاذباً للسياح الأردنيين، العرب والأجانب، بحيث يقضي السائح يوم أو يومين في غور المزرعة مستمتعاً بجمالها وجمال بيوتها والتعرف إلى أهلها، وهذا بلا شك سينعكس على تطور الحالة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة، مما سيؤثر بشكلٍ إيجابي على حياتهم.

وكتكريم لهذه المبادرة الرائدة حصل ربيع زريقات في منتصف العام الحالي على جائزة الملك عبد الله الثاني للإنجاز وذلك خلال حفل تكريمي أقيم على هامش فعاليات المنتدى الاقتصادي الذي عُقد في البحر الميت لمجموعة من الرواد على مستوى العالم العربي كان ربيع الأردني الوحيد بينهم، وتسلم جائزته البالغة قيمتها (50.000) دولا أمريكي من جلالة الملك عبد الله الثاني بحضور كلاوس شواب مدير المنتدى الاقتصادي العالمي – دافوس – ، سينفق ربيع قيمة الجائزة على تطوير مبادرة “ذكرى” وتوسيعها لتشمل زيادة كمية وقيمة القروض التي تقدم لفقراء غور المزرعة، وأيضاً إنتاج المزيد من البرامج الثقافية والفنية إضافة إلى إدخال تكنولوجيا المعلومات للمستفيدين من المبادرة في غور المزرعة من خلال توفير أجهزة حاسوب وتجهيزات مكتبية، كما سيخصص جزء من قيمة الجائزة لتوفير دخلٍ شهري لربيع ليتسن له التفرغ الكامل للمبادرة؛ بهدف تطويرها أكثر فأكثر وزيادة عدد المستفيدين منها من سكان غور المزرعة.

بعد هذه الجائزة التي حصل عليها ربيع بعدة خضوعه لعدة مقابلات أجراها معه رواد وشخصيات بارزة في العمل التطوعي على المستويين المحلي والعربي، قامت مجلة CEO MIDDLE EAST باختياره كواحدٍ من ألمع وأذكى 30 رائداً تحت سن الثلاثين في العالم العربي، وجاء اختيار زريقات بعد أن قامت المجلة بإجراء عدة أبحاث عن الرواد الاجتماعيين في الأردن والشرق الأوسط والعالم العربي، كما تم اختياره في هذا العام أيضاً كمبدعٍ اجتماعي من مؤسسة سينرجوس Synergos.

مؤخراً، تم تعيين زريقات مستشاراً في مؤسسة رواد التنمية – جبل النظيف، وهي إحدى الجهات المحلية الرائدة في العمل التطوعي؛ بهدف الاستفادة من خبراته وطريقة تفكيره في ابتداع حلول وطرق مبتكرة للتعامل مع المشاكل والظواهر السلبية في مجتمعنا، والتحاق ربيع بهذا العمل لن يؤثر على عمله في مبادرة “ذكرى” التي يقول عنها: “لا أريد أن أكون مجرد رقم في الحياة فجعلت من ذكرى هوايتي وحافزي وأول خطوة في سلم أولوياتي”.

يشعر ربيع بالفخر لما أنجزه وسينجزه خلال فترة قادمة، فهو يأمل بتطوير حياة سكان غور المزرعة من كافة النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التعليمية وغيرها، ولذلك يواصل العمل ليل نهار مستمداً قوة داخلية ذاتية تدفعه للأمام إلى جانب الحماس الذي يلقاه من أهالي غور المزرعة وحبهم للمبادرة والمتطوعين فيها، فهي التي طورت حياتهم للأفضل، فهم يعشقون “ذكرى” كأنها واحدة منهم، وليس أدل على ذلك من أن إحدى الأسر التي رزقها الله بمولود ذكر العام الماضي قد أطلق عليه ذويه اسم “ربيع”، تيمناً بزريقات وعرفانا له على جهده المتواصل وسعيه  لتغيير حياة أهالي غور المزرعة للأفضل.

ما بين ربيع الصغير وربيع زريقات فارق عمري كبير جداً، لكن ذوي الأول يتمنون أن يكون له من اسمه نصيب كما للريادي المتميز ربيع الذي يوجه نصيحة للشباب مفادها “على الشباب العربي أن يؤمنوا بأحلامهم وطموحاتهم ليشكلوا قيادات التغيير في المستقبل”.

abeeryarmouk2010@gmail.com

Advertisements

About abeerabutouqyarmouk

صحفية .. اهتم بابدعات الشباب الاردني.
هذا المنشور نشر في Uncategorized. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s