شرفة العار لابراهيم نصر الله .. عار القوانين الذكورية!

عبير هشام أبو طوق

ملاحظة: هذه المراجعة – ان جاز لي تسميتها كذلك – هي الاولى التي أكتبها بعد قراءتي لكتاب، فأنا لست ناقدة ولا أدبية، ولكنني افتخر بانني قارئة يحق لي ان أسجل ملاحظاتي الشخصية على الراوية الرائعة للكاتب الفلسطيني ابراهيم نصر الله، صاحب الشرفات الثلاث: العار، الهذيان وشرفة رجل الثلج.

“أمرها أن تتحرك، تحركت، فأبصرت هناك فوق الغطاء الابيض للسرير بقعة دم كانت أكثر سوادا من أي دم رأته ..”، تفوق ابراهيم نصر الله على نفسه بهذا الوصف المؤلم لحالة (منار) التي وقعت ضحية اغتصاب من قبل (يونس) صديق أخوها!

منار، بطلة الرواية أو لنقل الضحية التي لها مثيلات كثر في مجتمعنا المحلي وعالمنا العربي، اسبغ عليها نصر الله وصفا جميلا من حيث الشكل الخارجي، فهي كاليابانيات تماما بوجهها المستدير وشعرها القصير.

ليست منار وحدها، بل في راوية نصر الله سنتعرف على ضحايا آخريات .. تغريد، وداد، شامة والقائمة تطول وتطول، ويبلغ عدد النساء اللواتي يقتلن سنويا فيما يسمى بجرائم الشرف في الاردن حوالي (20) بحسب ارقام ذكرها نصر الله في روايته، لكنني كفتاة تعيش في هذا المجتمع، وكصحفية أزعم أنني مطلعة جدا على الشأن العام أجزم بان عدد الضحايا اكبر، لكن لا يتم الاعلان عنه خوفا من التهويل!

غلاف رواية شرفة العار – ابراهيم نصر الله

أبدع نصر الله – كعادته – في وصف مشهد اغتصاب منار، تلك الدقائق التي لم ولن تمحى من ذاكرة أي فتاة تتعرض لاعتداء من قبل بشر نسى أو تناسى آدميته وانقض كالحيوان على فريسته، لا هم له الا ارضاء نزوة أو انتقام من أحدهم كما حصل مع منار والتي اغتصبها (يونس) انتقاما من اخيها!

بكيت أثناء قراءتي لمشهد الاغتصاب، الذي بدا سوداويا جدا نفسيا ومعنويا، ورغم لون الدم الاحمر الذي ينتج عن تلك العملية المقرفة، لكنني واصلت قراءة الرواية بنهم لاصل الى تفاصيل أخرى.

تتلاحق الاحداث والمشاهد، فبعد الاغتصاب لا بد لوالدة منار وزوجة أخيها البحث عن دكتور – ابن حلال – يجري العملية لاجهاض الطفل ودفنه ودفن تلك المشاهد المروعة لليلة الاغتصاب، لكن الجشع المسيطر على معظم فئات المجتمع ومنهم الطبيب يقف حائلا أمام اجراء العملية التي تزيد من معاناة منار وأهلها، الذين تدبروا أمورهم وجمعوا المبلغ، لكن الطبيب عاد لرشده رافضا اجراء العملية بعد أن شاهد رجل – أخو منار – ذاهبا معها للعيادة!

واصلت قراءة الرواية بنهم شديد، ممزوج بالحزن والتساؤلات المتكررة: ترى، هل ستعيش منار حياتها الطبيعية حتى بعد دخولها لمركز الاصلاح والتأهيل حفاظا على حياتها؟ ليأتيك الجواب الصادم: لا .. إنها نزيلة مركز اصلاح، حيث الاعتداءات الجنسية من قبل النزيلات والمشرفات فيه على بعضهن البعض، وكأننا في غابة حيوانات مليئة بالنزوات!

مشهد مؤثر آخر، هو ذلك الطلب الذي ورد على لسان منار بعد أن ولدت طفلها بمساعدة إحدى النزيلات، تخيلوا .. لا يوجد طبيب أو ممرض يقوم بهذه العملية .. تصرخ منار بكل صوتها، وعاطفة الامومة لديها لتقول: بدي ابني .. بعد أن علمت أنه لا يحق لها الاحتفاظ به وتربيته! لاحظوا مدى عدالة القوانين المطبقة في مراكز الاصلاح والتاهيل، الا يكفي منار وغيرها حادثة الاعتداء وألمها، بل ويسحب منها طفلها .. يا الله!

كضوء خافت في نفق مظلم، يصور نصر الله ببراعته اللغوية الفائقة لحظات انفراج يظنها القارئ ويصدق أنها حقيقية، ليكتشف لاحقا أنها غير ذلك تماما، فبعد قرار بالافراج عن منار وتسليمها لأحد الصالحين لتعيش عنده كضمان لعدم تعرض أحد من أشقائها لها بالقتل، تعود الامور للاسوأ، فهناك حدث ما ينتظرها، ويا له من حدث جلل.

تنعطف الأحداث في الرواية كما انعطفت السيارة التي تقل منار وشقيقها الاكبر عبد الرؤوف لطريق المطار للسفر الى دبي، والعيش بحمايته، لتتجه السيارة الى البيت حيث رفع أحد الاعمام (سالم) الراية السوداء لغسل العار، تذهب منار لتودع والدتها ووالدها المقعد واخيها الصغير الذي وعدته بان تكمل له تعليمه الجامعي، لكن!

كان المسدس أقوى من عناق الأم لمنار .. كان أقوى من كل توسلات الاب المقعد بترك منار وشأنها، فهي ضحية بنظره بل وبريئة وطاهرة، لكنها مذنبة وقذرة “وسخت شرف العيلة” كما ظل عمها (سالم) يردد، والذي اقنع ابن اخيه – أخو منار / امين – بقتلها ثأرا لشرف العائلة المهدور.

أكثر من ثلاث رصاصات قاتلة أفرغها (أمين) باتجاه منار، ومن شدة فرحه أو هوسه يظل ضاغطا على الزناد مفرغا كل الطلقات النارية في جثة منار التي توسدت الارض وسط بقع الدم التي تكررت مرة ثانية بعد حادثة اغتصابها المشؤومة.

على الارض سقطت منار بدمائها وجسدها الساكن ووجها الجميل كاليابانيات، في ذلك المشهد تذكرها والدها وهي صغيرة تطلب نجمة ..

– “أريد نجمة”

– قال لها والدها “النجمة بعيدة ..

واستمر بينهما حوار برئ ببراءة وجه منار الطفولي التي أبدت رغبتها بالطيران لتجلب النجمة، ولكن بشرط “شلحني الكندرة” كما طلبت من والدها.

اصطدمت عينا ابو الامين بالراية السوداء التي علقها أخوه، وماتت لأجلها منار كشهيدة وشاهدة على عار القوانين البالية التي لم نستطع رغم كل التغني ليل بالنهار بالديمقراطية وحقوق الانسان والمرأة تغييرها او على الاقل تعديلها!

لروح منار .. وتغريد وكافة ضحايا الجرائم التي ترتكب باسم الشرف في الاردن والعالم العربي والعالم الفاتحة على أروحهم وأرواحنا التي لم تعد تعرف معنى الرحمة وضرورة التسريع في تشريع قوانين تعاقب المذنبين لا تمجيدهم على اعتبار أنهم أبطال، وهم في الواقع أنذال .. بل وأنذال جدا!

ملاحظة ثانية: اشتريت هذه الرواية من كشك حسن ابو علي في وسط البلد، عندما طلبت منه ان يوقع لي على الرواية .. ضحك وقال لي: يا بنت أبو طوق بدك أنا أوقع على الرواية وابراهيم نصر الله مؤلفها؟ فقلت له: زيادة الخير خير .. هلأ انت وقعها وبعدين بنوقعها من ابراهيم نصر الله، فضحك ووشح لي الرواية بخطه الجميل وقد كتب على صفحتها الاولى “مع التقدير والاحترام” .. حسن ابو علي.

abeeryarmouk2010@gmail.com

Advertisements

About abeerabutouqyarmouk

صحفية .. اهتم بابدعات الشباب الاردني.
هذا المنشور نشر في Uncategorized وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

19 ردا على شرفة العار لابراهيم نصر الله .. عار القوانين الذكورية!

  1. Odai Mawafi كتب:

    ياه يا عبير شو التعبير الحلو شوقتيني كتير لاني اقرأ هاي الرواية…:)

  2. محمد كتب:

    يبدو أنها رواية جميلة للكاتب إبراهيم نصر الله. وعرضك للمقتططفات المهمة في الرواية كان رائع يا عبير.
    أتمنى أن تتاح لي الفرصة و أقرأها كاملة.
    على فكرة تأثرت كثيرا من المشهد الأخير.

    • شكرا محمد ..

      الرواية مؤثرة جدا، كما كتبت في التدوينة أعلاه فقد بكيت عند قراءتي لمشهد الاغتصاب .. بشع جدا!

      المشهد الاخير فيها مبكي أيضا، وكذلك في رسالة كتبتها منار لعائلتها وضعها نصر الله اخر الرواية .. لم استطع وصفها رغم قدرتي اللغوية!

      انصحك بقراءة الرواية .. ولا مانع لديّ من أن أعيرك اياها ليومين فقط 🙂

      عبير

  3. محمد كتب:

    شكرا عبير:)

  4. Haitham Al-Sheeshany كتب:

    عرض ممتاز و الله، أشكرك.

    إبراهيم نصر الله مبدع… ببساطة!

  5. Haitham Al-Sheeshany كتب:

    مو عارف ليه ما كان يوصلني المواضيع الجديدة!
    يمكن لأني غيرت بالإعدادات على مدونتي!

    المهمّ إني أعدت الاشتراك و كمان اشتركت بالمواضيع مشان توصلني مباشرة على بريدي 🙂

  6. ArabObserver كتب:

    أنا حبيت العلاقة الموصوفة لمنار مع والدها، فيها كثير من الإنسانية و الحب..

  7. لو كان الابداع والفن رجلا وامراه لشكرتهما شكرا للفنانه عبير وشكرا للرائع ابراهيم نصر الله

    • شكرا الك يا احمد .. شو هالكلام الحلو 🙂

      شجعتني هذه التدوينة عن شرفة العار للمبدع ابراهيم نصر الله شراء المزيد من كتبه ورواياته لقراءتهما .. رهيب يا تصر الله بكل ما تكتب ..

      شكرا مرة تانية يا احمد ..

      عبير

  8. Beateful Rose كتب:

    عبير بكيتيني يا عبير .. لازم أقرأ هالرواية

  9. ع فكرة كتير بنات بروحوا ضحايا اخوتهم الشباب مش البنات الهم حق يعيشون متل اخوتهم

  10. تنبيه: شرفة العار لابراهيم نصر الله .. عار القوانين الذكورية! | لا شرف في الجريمه

  11. تنبيه: شرفة العار لابراهيم نصر الله .. عار القوانين الذكورية! | NHC

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s