سمك فوق سطح البحر .. فيلم جديد للبيطار يناقش الواقع الأردني

عبير هشام أبو طوق

تحذير: هذه التدوينة ستكشف لكم حبكة الفيلم بكافة التفاصيل المتعلقة به.

بداية، لا بد من التنويه والتذكير بأنني لست ناقدة، ولا متابعة جيدة للأفلام على اختلاف أنواعها، وبالتالي فما دفعني لكتابة السطور القادمة عن الفيلم الروائي الطويل للصديق حازم البيطار هو الحب فقط، وأعني حب الفيلم وقصته وطريقة عرضه.

تلبية لدعوة كريمة من الصديق الرائع المخرج حازم بيطار، ذهبت الى منزله لمشاهدة فيلمه الجديد “سمك فوق سطح البحر”، والذي تم الانتهاء منه مؤخرا، وللآن لم يعرض للعامة، فكل ما تم عرضين فقط، أولهما بحضور اسرة الفيلم اضافة الى الناقد السينمائي عدنان مدانات، والكاتب الصحفي المتخصص بالامور السينمائية ناجح حسن.

أما العرض الثاني، والذي حضرته في منزل حازم، شاركنا خلاله مشاهدة الفيلم مجموعة من الاصدقاء المقربين لنا، وهم: روان الزين، الصحفية غيداء حمودة، الصحفية تغريد الرشق، بلال الحياري، اضافة الى البطل الرئيسي في الفيلم مؤسس مبادرة ذكرى ربيع زريقات.

يستهل البيطار مؤسس تعاونية عمّان لصناعة الافلام فيلمه الذي تبلغ مدته تقريبا الثمانين دقيقة بمشهد رائع، يقود خلاله المشاهدين من خلال كاميرا محمولة الى طريق الأغوار، حيث المساحات الشاسعة للشوارع، ومنظر الجبال اضافة الى مشاهد طبيعية أخرى، ويتخلل ذلك مشاهد من العمارات السكنية والتجارية الفخمة والمرتفعة في عمّان، اضافة الى حوار ما بين طلال ويقوم بدوره ربيع زريقات، والمحامي الذي قام بدوره المخرج حازم البيطار.

ملصق الفيلم، المصدر: وكالة الانباء الاردنية / بترا

تتلخص قصة الفيلم الذي قال عنه البيطار أن العمل عليه والتحضير لفكرته بدأتا في شهر (10) من العام الماضي، ولكن تم انجازه قبل شهر تقريبا، بقصة طلال والذي يكتشف أن والده الثري لم يترك له أموالا طائلة كما كان يعتقد، أو على الاقل يتوقع نظرا لحياة الرفاهية التي كان ينعم بها قبل وفاة والده، وبحوارات جاءت طويلة نوعا ما ما بين طلال والمحامي يقتنع الاول بأنه أصبح فقيرا، ولا مجال الا للتكيف مع الحال الجديد.

خاصة، وأن البيت الذي يقيم فيه طلال بمفرده بعد وفاة والده يجب أن يتم تصفيته وبيعه بأقرب وقت، لأنه مرهون للبنك وقد تراكمت عليه أقساط شهرية لا بد من تسديدها بأي طريقة، وهي في الفيلم رهنه للبنك.

وما بين مصدق وغير مصدق للكلام الذي يسمعه طلال من المحامي برع البيطار بنقل مشاهد جميلة جدا من وسط البلد في عمّان حيث المقاهي الشعبية، الفنادق التي لم يعد أحد يطرق بابها باستثناء العمال الوافدين أو عابري السبيل، أو ربما أصحاب السوابق الذين لم يعد لهم مكانا يأويهم، فيلجأون للفنادق التي نجحت كاميرا البيطار بنقل أدق تفاصيلها للمشاهدين من حيث عدم النظافة، وجود غطاء واحد خفيف على السرير، الحمام العربي …

مقابل هذه المشاهد، يسلط البيطار الكاميرا على طلال، وحياته التي تغيرت رأسا على عقب، فقد أصبح متجولا يبحث عن مكان يأويه بدلا من بيته الذي سيذهب ثمنه بعد البيع لواحد من البنوك التجارية والتي تأخذ حقها وزيادة من أي مواطن يعجز عن تسديد قسط شهري تراكم عليه جراء ضيق ذات اليد!

لكن طلال ومع كل ما حل به من مصائب وتبدل الحال والوضع الاقتصادي والاجتماعي من يسر الى عسر، لم يكن وحيدا رغم أنه لا أشقاء له، لكنها سمكة، نعم سمكة، كانت رفيقته طيلة فترة الفيلم وقد أوصى عليها والده بضرورة الاهتمام والعناية بها، قائلا له: “إذا عاشت السمكة سنتين وما ماتت بتكون أنت بتتحمل مسؤولية”.

ومثل ضوء أبيض في نهاية طريق معتم، ينجح البيطار في شد انتباه المتابعين للفيلم مرة ثانية، وهذه المرة عندما يخبر طلال أن والده ترك له بيتا بسيطا في غور المزرعة، واحدة من المناطق شديدة الفقر في محافظة الكرك، لكن لا يلبث أن تتحول فرحة طلال الى حزن، فالبيت غير فارغ، ويقيم فيه داود.

داود، واسمه الحقيقي عبد الله دغيمات من سكان غور المزرعة، شاب في العشرينات من العمر، اسمر الوجه، قوي البنية، يعمل نهارا ليكسب قوت يومه، عندما يزوره طلال في بيته/ بيتهما يجد داود وهو يصلي في وقت بدا لي أنه المغرب أو العشاء، ومجرد أن ينتهي داود يلفت نظره طلال وقد وقف خلف الشباك ينظر اليه منتظر أن ينتهي ليتفاهما حول البيت وملكيته، فيبادر طلال بقول “تقبل الله” مخاطبا داود الذي يرحب به ويدعوه للدخول للبيت والجلوس فيه.

يقضي طلال اياما في بيت داود دون أن يخبره ما الذي يريده منه، فالاثنان لا يعرفان بعضهما البعض، خلال فترة الاقامة يصطحب داود طلال لواحدة من المزارع في منطقة غور المزرعة والتي يعمل فيها بتلقيط البندورة وجمعها في صناديق خشبية تمهيدا لبيعها، مما يجعل طلال يتذمر من العمل، واصفا اياه بالصعب!

طبعا، لن أنسى الحديث عن السمكة التي تعيش حياتها كالمعتاد في علبة زجاجية، بينما ينظر اليها طلال بين الحين والآخر مستهزأ بها، لكن والده أخبره أن استطاع الحفاظ على حياتها فهو سيكمل حياته بسلام.

أثناء مشاهد الفيلم، يعود الحوار بين طلال والمحامي الذي يطلب من الاول الذهاب الى محافظة الكرك ومشاهدة مناطق معينة فيها مثل قلعة الكرك التاريخية،  جبال فلسطين الشامخة والتي يراها الجميع من محافظة الكرك بمجرد الوقوف على منطقة مرتفعة، وقد نجح البيطار في توظيف العنصر الوطني المتمثل بقضية العرب الاولى فلسطين في الفيلم وضمن مجرياته الممتدة.

يكتشف طلال مدى صدق ورقة تعامل أهل الغور، فقد أبدى داود استعداده عن التخلي لطلال عن البيت الذي عاش فيه أبو طلال فترة طويلة من عمره، وقد شبه داود أبو طلال بأنه كالسمكة التي هي بحوزة الابن تموت إذا خرجت من الماء، في مقاربة لطيفة وواقعية بضرورة الانتماء للوطن أو الارض أو المكان التي يعيش فيها اي شخص.

تستمر المشاهد من غور المزرعة الى قلعة الكرك الى قهوة أبو علي على الطريق الممتد بين عمان والكرك، وتصل الى عمّان حيث وسط البلد من جديد بكل تفاصيله المدهشة لأي مواطن عمّاني أو كركي وغيرهم، وفي مشهد يسكن طلال وداود معا في غرفة الاول في واحد من الفنادق الشعبية جدا في وسط البلد، واعتقد أنه فندق القاهرة.

يقدم داود وكالة البيت لطلال، لكن الوكالة بحاجة الى أموال كثيرة لفك رهن البيت ومن ثم الحياة فيه، وبالتالي فإنه لم يستفيد شيئا من هذا الكرم، يقنع طلال صديقه وشريكه في البيت بضرورة الرحيل من الغور والاستقرار في عمّان، للعديد من المميزات وعلى رأسها توفر فرص عمل بسهولة وبرواتب شهرية جيدة قياسا بما يحصله في الغور.

تحذير آخر وأخيرا: النص القادم في هذه التدوينة سيكشف لكم الحبكة النهائية للقصة، فلكم القرار بمتابعة القراءة أو التوقف عنها لحين مشاهدة الفيلم.

تبدأ أحداث الفيلم بالتسارع عندما يقترب من النهاية، فها هو طلال قد غادر غرفته المشتركة مع داود في الفندق ذاهبا لاحضار صحن فول لتناوله على الفطور، لكنه لم يعد، ولم يكتفي بذلك بل لم يرد على أي مكالمة هاتفية وردته من داود.

ووسط حيرة داود، وأثناء تجواله من شرفة الغرفة الى الداخل وبالعكس، يجد ورقة صغيرة تحت المكان المخصصة للسمكة، ولم ندري ما بداخلها، وهنا طالب الاصدقاء الذين حضروا الفيلم من البيطار أن يتم اعادة صياغة هذا المشهد ليشمل قراءة لمحتويات الرسالة اما بصوت داود او طلال، وإن كان التفضيل يميل لأن يقرأها طلال وبصوته.

يبدو أن داود اقتنع بنصيحة طلال عندما طلب منه البحث عن عمل في عمّان، فها هي الكاميرا تصور داود وهو يمسك مجموعة من الصحف اليومية ويقوم ببيعها في الدوار الاول في منطقة جبل عمّان.

بقيت السمكة لوحدها في الغرفة، وسط غياب طلال وانشغال داود بالعمل، لكن طلال حتما قد فشل في تحمل الأمانة، فلم يحفظ مقولة والده ووصاته عنها وبالتالي لن يتحمل المسؤولية لأنه تخلي عن السمكة، ولم يستطع العناية بها لعامين كما طلب منه والده.

صاحبت أحداث الفيلم مقطوعات موسيقية وغنائية قدمها المشاركين في البوم “صوت من الغور” الذي تم انتاجه من قبل مبادرة ذكرى بدعم من الموسيقي الأردني عزيز مرقة، وقد كان اختيار ذلك موفقا جدا من قبل البيطار، الذي أكد أن تحقيق الأشخاص للسعادة أمر نسبي، فلن تتساوي مغريات السعادة لدى الجميع، فلكل منا تعريفه الخاص لها.

قلت لكم أعلاه، أنني لست ناقدة، لكن حبي للفيلم الذي حمل توقيع الصديق المخرج حازم البيطار كان السبب وراء هذه التدوينة، أتمنى فعلا أن يسارع البيطار لأنجاز أي تقنيات جديدة للفيلم، لعرضه بأقرب وقت ممكن لعامة المواطنين لمعرفة رأيهم فيه، لأن فيلم سمك فوق سطح البحر يعتبر “نموذج من صناعة الأفلام في السينما الجديدة التي تنتهج الميزانية غير المكلفة” بحسب الناقد السينمائي والصحفي المتخصص بهذا المجال ناجح حسن.

abeeryarmouk2010@gmail.com

Advertisements

About abeerabutouqyarmouk

صحفية .. اهتم بابدعات الشباب الاردني.
هذا المنشور نشر في Uncategorized وكلماته الدلالية . حفظ الرابط الثابت.

5 ردود على سمك فوق سطح البحر .. فيلم جديد للبيطار يناقش الواقع الأردني

  1. hazim bitar كتب:

    شكرا أخت عبير على هذه المقالة الجميلة

  2. anas كتب:

    شكرا الكم ولكل واحد ساهم في انجاح هذا العمل العظيم والله يعطيكم العافيه وشكرا الكم

  3. Mohammed كتب:

    انت بتحكي عن حالك انك مش ناقدة, لكن بعد ما قرأت هذه المدونة, اكتشفت انك بتزبطي تكوني ناقدة مييزة:)

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s